ويرد ابن تيمية (ت728هـ) رحمه الله على دعوى تعارض العقل والنقل المفترضة من قبل المتكلمين فيقول: (ما عُلم بصريح العقل لا يُتَصوّر أن يعارضه الشرع ألبتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط. وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها، بل يُعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد وغير ذلك، ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول بل بمحارات [1] العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقلُ انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته) [2] .
فلا تعارض ألبته بين المعقول الصريح والمنقول الصحيح، وإذا وجد ما يوهم التعارض، فلا يخلو الحال من ثلاثة أمور: إما أن يكون العقل غير صريح. أو يكون النقل غير صحيح. أو يكون المستدل به قد غلط في استدلاله.
(1) هكذا بالحاء (مُحارات) كما في المطبوعة، وفي نسخة بالجيم (مُجازات) أي ما يجيزه العقل لا ما يحكم العقل باستحالته. والأول أصوب كما تدل عليه آخر العبارة. وكما قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (2/578) : (والشرع لا يأتي بما يُحيله المعقول، ولكنه يأتي بما تحار فيه العقول) .
(2) درء تعارض العقل (1/ 147) .