قال ابن تيمية (ت728هـ) رحمه الله: (إن الله -سبحانه وتعالى- بيّن من الأدلة العقلية التي يُحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء [يعني المتكلمين والفلاسفة] قَدْرَه، ونهاية ما يذكرونه جاء في القرآن بخلاصته على أحسن وجه، وذلك كالأمثال المضروبة التي ذكرها الله في كتابه التي قال فيها: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الروم:58] فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية) [1] .
وإنما ضرب الله هذه الأمثال ليستبينوا الحق ويتبعوه، وهذه الأمثال هي حجج وبراهين قاطعة كما ذكر ذلك ابن كثير (ت774هـ) رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الإسراء: 89] [2] .
وقال ابن القيم (ت751هـ) رحمه الله في بيان ميزات الحجج العقلية في القرآن الكريم: (والله -سبحانه- حاجّ عباده على ألسن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل، وأسهلها تناولًا، وأقلها تكلفًّا، وأعظمها غنى ونفعًا، وأجلها ثمرة وفائدة، فحججه-سبحانه- العقلية التي في كتابه جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة، واضحة قليلة المقدمات، سهلة الفهم، قريبة التناول، قاطعة للشكوك والشبه، ملزمة للمعاند والجاحد، ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ، ولعموم الخلق أنفع) [3] .
وهذه الميزات العظيمة لا تكاد توجد في الحجج العقلية لدى الفلاسفة المتكلمين.
(1) درء تعارض العقل والنقل (1/28-29) ، ومجموع الفتاوى (3/296) .
(2) انظر: تفسير ابن كثير (3/87و581) ، الطبعة الأولى، 1414هـ، دار السلام، الرياض، ودار الفيحاء، دمشق.
(3) الصواعق المرسلة (2/460) .