وذكر ابن أبي العز الحنفي (ت762هـ) رحمه الله أن الأمثال المضروبة في القرآن هي مقاييس عقلية، فقال: (والقرآن قد ضَرب اللهُ للناس فيه من كل مَثل، وهي المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية، لكنَّ القرآنَ يبيّنُ الحقَّ في الحكم والدليل، فماذا بعد الحق إلا الضلال) [1] .
وكون هؤلاء العلماء المحققين يسمّون هذه الأمثال المضروبة في القرآن الكريم مقاييس عقلية، وقد يسميها بعض المفسرين حججًا أو براهين أو أدلة، فالمقصود واحد ولا مشاحّة في الاصطلاح.
5.العقل الصحيح السليم يدرك أصول الاعتقاد على الإجمال لا على التفصيل، فالعقل يدرك وجود الله وعظمته، وضرورة طاعته وعبادته، واتصافه بصفات العظمة والجلال على وجه العموم. كما أن العقل السليم يدرك ضرورة النبوات وإرسال الرسل، وضرورة البعث والجزاء على الأعمال كذلك، على الإجمال لا على التفصيل.
6.العلوم بالنسبة إلى طرق تحصيلها نوعان: نوع يحصّل بالعقل، كعلم الطب والهندسة ونحوها من العلوم التجريبية. ونوع لا يمكن أن يحصّل بمجرد العقل على جهة التفصيل، وهي العلوم الإلهية، وعلوم الديانات، ولكن يمكن أن يقام عليها أدلة عقلية، ولهذا فإن الأدلة التي جاء بها الرسل هي أدلة شرعية عقلية كما تقدم.
7.العقل البشري عاجز عن معرفة مسائل العقيدة الغيبية بنفسه استقلالًا، وهو عاجز -أيضًا- عن أيّ تشريعٍ في الأحكام والأخلاق، ودوره الطبيعي هو الفهم والإتباع والاعتقاد لما جاء به الوحي، وليس الرد والاعتراض، لأن الوحي جاء ليكون ميزانًا بين هذه العقول المختلفة.
(1) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (1/38) .تحقيق: عبد الله التركي، وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الأولى، 1408هـ.