فهرس الكتاب
وقد خرج عبد الله يوما إلي ضيعة له فنزل على حائط به نخيل لقوم, وفيه غلام أسود يقوم عليه, فأتى بقوته ثلاثة أقراص, فدخل كلب فدنا من الغلام؛ فرمى إليه بقرص فأكله, ثم رمى إليه بالثاني والثالث فأكلهما, وعبد الله ينظر إليه!! فقال: يا غلام! كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت. قال: فلِمَ آثرت هذا الكلب؟ قال: أرضنا ماهي بأرض كلاب، وإنه جاء من مسافة بعيدة جائعا, فكرهت أن أرده. قال فما أنت بصانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا. فقال عبد الله بن جعفر: أأُلام علي السخاء؛ وإن هذا لأسخي مني؟! فاشترى الحائط بما فيه من النخيل والآلات، واشترى الغلام ثم أعتقه، ووهبه الحائط بما فيه من النخيل والآلات. فقال الغلام: إن كان ذلك لي فهو في سبيل الله تعالى.. فاستعظم عبد الله ذلك منه، وقال: يجود هذا وأبخل أنا؟! لا كان ذلك أبدا.
ولينظر المتصدق إلى المحتاجين الذين يقصدونه نظرته إلى أسباب التجارة الرابحة:
فإنَّكَ لا تدري إذا جاءَ سائلٌ ... أأنتَ بما تُعطيهِ أم هُوَ أسعدُ
عَسى سائلٌ ذو حاجةٍ إنْ منعتَهُ ... مِنَ اليومِ سُؤلًا أنْ يكونَ لهُ غدُ
أفضل الصدقة:
عن أبي هريرة ت قال أتى رسول الله خ رجل فقال: يا رسول الله! أي الصدقة أعظم؟ فقال:"أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا لغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا" [رواه مسلم]
والشح أعم من البخل، وهو غالب في حال الصحة, فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره؛ بخلاف مَن أشرف على الموت وأيس من الحياة ورأى مصير المال لغيره؛ فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشح رجاء البقاء وخوف الفقر.