فهرس الكتاب
ووُضعت الرقاقتان، وسمعت القائل: لقد طار نصف ثوابهما في ميزان أبي نصر الصياد.. فانخذلت انخذالا شديدا؛ حتى لو انكسرت نصفين لكان أخف عليّ وأهون. بَيْدَ أني نظرت فرأيت كفة الحسنات قد نزلت منزلة ورجحت بعض الرجحان. وسمعت الصوت: ألم يبقَ له شيء؟ فقيل: بقي هذا.. وأنظر ما هذا الذي بقي؛ فإذا جوع امرأتي وولدي في هذا اليوم! وإذا هو شيء يوضع في الميزان، وإذا هو ينزل بكفة ويرتفع بالأخرى حتى اعتدلتا بالسوية، وثبت الميزان على ذلك؛ فكنت بين الهلاك والنجاة.
وأسمع الصوت: ألم يبقَ له شيء؟ فقيل: بقي هذا.. ونظرت؛ فإذا دموع تلك المرأة المسكينة حين بكت من أثر المعروف في نفسها, ومن إيثاري إياها وابنها على أهلي.. ووُضعت غرغرة عينيها في الميزان؛ ففارت فطمت كأنها لُجَّة [1] , من تحت اللجة بحر.. وإذا بسمكة هائلة قد خرجت من اللجة؛ وقع في نفسي أنها روح تلك الدموع.. فجعلت تعظم ولا تزال تعظم, والكفة ترجح ولا تزال ترجح.. حتي سمعت الصوت يقول: قد نجا..!
وصحت صيحة انتبهت لها؛ فإذا بي أقول:"لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة". [وحي القلم (باختصار) ]
فَتشَبَّّهوا إن لم تكونوا مِثلَهمْ إنََّ التشبهَ بالكرامِ فلاحُ
كل معروف صدقة
عن أبي ذر ت أن ناسا من أصحاب النبي خ قالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور [2] بالأجور. يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال:"أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة, وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال:"أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". [رواه مسلم]
(1) طمَّت كأنها لُجة: علت كأنها بحر.
(2) الدثور: الأجور.