فهرس الكتاب
وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة. والذكر عبودية القلب واللسان؛ وهي غير مؤقتة. بل هم يأمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال؛ قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم.. فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها، فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها، وهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها.. وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقا؛ ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقًا.. وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه؛ نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء..
به يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن الألسن، وتنقشع الظلمة عن الأبصار.. زين الله به ألسنة الذاكرين، كما زين بالنور أبصار الناظرين؛ فاللسان الغافل كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء.. وهو باب الله الأعظم؛ المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته..
قال الحسن البصري: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن. فإن وجدتم، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق!
وبالذكر يصرع العبد الشيطان، كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان.. قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يُصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنسي!
وهو روح الأعمال الصالحة، فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه..] [مدارج السالكين]
فسبحان من قضى على الغافلين كسلا وقعودا.. ورفع المتقين علوا وصعودا.. ومنحهم من إنعامه فوزا وسعودا.. أنعم عليهم فأعطاهم.. واستخلصهم واصطفاهم.. اشتغل الناس بدنياهم؛ واشتغلوا بذكر محبوبهم؛ فهم
{ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } [آل عمران:191]
فأكثِرْ ذكرَه في الأرضِ دأبًا ... لتُذكرَ في السماءِ إذا ذكرتا
ولازِمْ بابَه قَرعًا عساهُ ... سيُفتَحُ بابُه لك إنْ قَرعتا