الصفحة 135 من 200

ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام: إلى الذرية.. إلى الناشئة الجديدة.. إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء: إلى الأبوة.. إلى الحياة المولية.. إلى الجيل الذاهب! ومِن ثَم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف, وتتلفت إلى الآباء والأمهات.

إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد. إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات. وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر؛ كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وعافية، وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين؛ فإذا هما شيخوخة فانية, وهما مع ذلك سعيدان!

فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله, ويندفعون بدورهم إلى الأمام: إلى الزوجات والذرية.. ومِن ثَم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء, إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف!

وهنا يجيء الأمر با?حسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد؛ بعد الأمر المؤكد بعبادة الله.

(إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا) : والكبر له جلاله, وضعف الكبر له إيحاؤه. وكلمة (عندك) تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة ضعف الكبر..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت