الصفحة 136 من 200

ولما كان طول المكث يوجب الاستثقال للمرء عادة, ويحصل الملل, ويكثر الضجر؛ فيُظهر الابن غضبه على أبويه, وتنتفخ لهما أوداجه, وأقل المكروه ما يظهره بتنفسه المتردد من الضجر؛ وقد أُمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة, وهو السالم من كل عيب، فقال تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) وقد صارت كلمة (أفٍّ) للأبوين أردأ شيء؛ لأنها كلمة تقال لكل شيء مرفوض, كما قال إبراهيم ؛ لقومه: { أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } [الأنبياء:67] . أي: رفض لكم ولهذه الصنام معكم.

وإن كانت هذه الكلمة أدنى مراتب القول السيء؛ فهي للأبوين كفر للنعمة، وجحد للتربية, ورد الوصية التي أوصى الله بها في التنزيل.

وقوله: (وَلَا تَنْهَرْهُمَا) النهر هو الزجر والغلظة. و قوله: (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) أي: لينا لطيفا مثل: يا أبتاه, ويا أماه. من غير أن يسميهما أو يكنيهما.

قال ابن الهداج التحبيبي: قلت لسعيد بن المسيب: كل ما في القرآن من بر الوالدين عرفته إلا قوله: (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) ، ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ.

(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) : هذه استعارة في الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلل الرعية للأمير والعبيد للسادة. فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل ا?نسان نفسه مع أبويه في خير ذلة في أقواله وسكناته ونظره. فلا يُحِد إليهما النظر، فقد ورد في الأثر:"ما بر أباه مَن سدد إليه الطرف بالغضب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت