الصفحة 141 من 200

قال المأمون: لم أرَ أحدًا أبر بأبيه من الفضل بن يحيي؛ بلغ من بره أن يحيي كان لا يتوضأ إلا بماء مسخن وهما في السجن, فمنعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة, فقام الفضل -حيث أخذ أبوه يحيي مضجعه- إلى قمقم كان يسخن فيه الماء, فملأه ثم أدناه من نار المصباح, فلم يزل قائما وهو في يده حتى أصبح. فعل هذا برًّا بأبيه ليتوضأ بالماء الساخن.

وهذا النوع من البر عون للعبد على تفريج الكروب في الدنيا. ففي حديث الغار الذي رواه البخاري عن ابن عمر ب عن النبي خ أن أحد الثلاثة الذين كادوا أن يهلكوا في الغار بعدما سُد عليهم بصخرة انحدرت من الجبل؛ جعل يدعو الله بصالح عمله قائلا:"اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران, وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا, فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما, فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين, فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا, فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر؛ والصبية يتضاغون عند قدمي, فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة؛ فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه.."

برهما بعد وفاتهما:

روي أبو داود وابن ماجه والحاكم عن مالك بن ربيعة قال: بينما نحن عند رسول الله خ إذ جاءه رجل من بني سلمة, فقال: يا رسول الله! هل بقي عليّ من بر أبويّ شيء أبرهما به بعد وفاتهما؟ قال:"نعم.. الصلاة عليهما [1] , والاستغفار لهما, وإنفاذ عهدهما, وإكرام صديقهما, وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما".

وروي البخاري في (الأدب المفرد) عن أبي هريرة ت قال: تُرفع للميت بعد موته درجته فيقول: أي ربي.. أي شيء هذا؟ فيقول له: ولدك استغفر لك.

(1) الدعاء لهما بالرحمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت