الصفحة 156 من 200

قال الحافظ ابن كثير في"البداية والنهاية": أخبرني القاضي جمال بن القلانس, أن السلطان محمد بن الملك المنصور قلاوون استفتى الشيخ ابن تيمية في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه, وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير, وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضا. وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم. وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله, ومبايعة الجاشنكير. ففهم الشيخ مراد السلطان؛ فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء, وينكر أن ينال أحدًا منهم بسوء. وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم.

فقال السلطان: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك.

فقال الشيخ: من آذاني فهو في حِل. ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه. وأنا لا أنتصر لنفسي.. وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح.

قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية: حرضنا عليه فلم نقدر عليه, وقدر علينا فصفح عنا, وحاجج عنا.

قال أيوب السختياني: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عن أموال الناس, والتجاوز عنهم.

وهذا ابن السماك واعظ هارون الرشيد قال له أحد إخوانه: الميعاد بيني وبينك غدا نتعاتب, فقال ابن السماك: بل بيني وبينك غدا نتغافر.

وهو جواب يأخذ بمجامع القلوب, ملؤه فقه وواقعية, يشير إلى وجود قلب وراء هذا اللسان تؤلمه أسباب الفرقة.. فإن التغافر أطهر وأبرد للقلب..

وعبوس التعاتب تعكير تصطاد الفتن فيه كيف تشاء:

تعالَوا نخلِّ العُتبَ عنا ونصطلِحْ ... ... وعودوا بنا للوصلِ والعودُ أحمدُ

ولا تخدشوا بالعُتبِ وجهَ محبةٍ ... ... لهُ بهجةٌ أنوارُها تتوقدُ

تكفير الخطايا بالمحن نعمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت