فهرس الكتاب
وللعبد فيما يصيبه من أذي الخلق وجنايتهم عليه أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلوما يترقب النصر، ولم يجعله ظالما يترقب المقت والأخذ. فلو خُير العاقل بين الحالتين -ولابد من إحداهما- لاختار أن يكون مظلوما ويشهد نعمة الله في التكفير بذلك عن خطاياه. فإنه ما أصاب المؤمن هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه. فذلك في الحقيقة دواء يُستخرج به منه داء الخطايا والذنوب.
ومَن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلها وأسقامه, ولم يداوه في الدنيا بدواء يوجب له الشفاء؛ فهو مغبون سفيه. فأذى الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب المشفق عليك؛ فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته ومَن كان على يديه، وانظر لشفقة الطبيب الذي ركبه لك, وبعثه إليك على يدي مَن نفعك بمضرته.
وإن للعبد ليشتد فرحه يوم القيامة بما له قِبَل الناس من الحقوق في المال
والنفس والعِرض. فالعاقل يُعد هذا ذخرا ليوم الفقر والفاقة,
ولا يبطله بالانتقام الذي لا يجدي عليه شيئا.
ولله در القائل: إذا أراد الله أن يتحف عبدا قيَّض له مَن يظلمه!
إني شكرتُ لظالمي ظلمي ... وغفرتُ ذاكَ له على علمي
ورأيتُهُ أسدَى إليّ يدًا ... لما أبانَ بجهلِهِ حلمي
فغدوتُ ذا أجرٍ ومحمدةٍ ... وغدَا بكسبِ الظلمِ وا?ثمِ
ما زالَ يظلمُني وأرحمُهُ ... حتى بكيتُ له من الظلمِ
المصائب هي كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه؛ من آلام النفس، وأسقام البدن, وفقدان الأحبة, وخسران المال, وإيذاء الناس, ومتاعب العيش, ومفاجآت الدهر.
عن عائشة ل قالت: قال رسول الله خ:"ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عز و جل بها عنه, حتى الشوكة يُشاكُّها". [رواه البخاري]
وفي صحيح البخاري أيضا عن النبي خ قال:"ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب ولا هَم ولا حزن ولا أذى ولا غم, حتى الشوكة يُشاكها, إلا كفر الله بها من خطاياه".