الصفحة 159 من 200

وفي جامع الترمذي عن شيخ من بني مُرة قال: قدمت الكوفة فأُخبرت عن بلال بن أبي بردة, فقلت: إن فيه لمعتبر, فأتيته وهو محبوس في داره، وإذا كل شيء منه قد تغير؛ من العذاب والضرب. وإذا هو في قُشاش! [1] فقلت له: الحمد لله يا بلال! لقد رأيتك تمر بنا وأنت تمسك أنفك من غير غبار؛ وأنت في حالتك هذه فكيف صبرك اليوم؟! فقال: فمن أنت؟ قلت: مِن بني مرة بن عباد. قال: ألا أحدثك حديثا عسى أن ينفعك الله به؟ قلت: هات.. قال: حدثني أبو بردة عن أبي موسى أن رسول الله خ قال:"لا يصيب عبدا نكبةٌ فما فوقها أو دونها إلا بذنب, و ما يعفو الله عنه أكثر". قال: وقرأ: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [الشورى:30]

ما يجب على المصاب من مراعاة الآداب التي

تحفظ عليه الأجر وتزيد في الثواب

أولا: الصبر:

قال تعالى: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } [البقرة:45]

الصبر لغة هو المنع والحبس. وشرعا: هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي, والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب.

قال ذو النون المصري: هو التباعد عن المخالفات, والسكون عند تجرع غصص البلية, وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة.

وسئل الجنيد عن الصبر فقال: تجرع المرارة من غير تعبس.

وقيل: الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.

وقيل: هو الغنى في البلوى بلا ظهور الشكوى.

ورأى أحد الصالحين رجلا يشتكي إلى أخيه فقال له: يا هذا! والله ما زدتَ على أن شكوتَ مَن يرحمك إلى من لا يرحمك.

وإذا عَرَتْكَ بليَّةٌ فاصبِرْ لها ... ... صبرَ الكريمِ فإنهُ بكَ أعلمُ

وإذا شكوتَ إلى ابنِ آدمَ إنما ... ... تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يرحمُ

(1) والتقَشش تطَلُّب الأكل من هنا وهنا ولَفُّ ما يُقْدر عليه. والقَشِيش والقُشَاش ما اقْتَشَشْته. [لسان العرب]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت