الصفحة 160 من 200

والشكوى نوعان: شكوى إلى الله عز وجل. وهذه لا تنافي الصبر، كقول يعقوب ؛: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } [يوسف:86]

والنوع الثاني: شكوى المبتلى بلسان الحال أو المقال. فهذه لا تجامع الصبر، بل تضاده وتبطله.

عن أنس بن مالك ت أن رسول الله خ أتى على امرأة تبكي على صبي لها, فقال:"اتقي الله واصبري". فقالت: إليك عني فإنك لم تُصَب بمصيبتي؟! ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي خ, فأتت بابه فلم تجد عنده بوابين, فقالت: يا رسول الله! لم أعرفك.. فقال:"إنما الصبر عند الصدمة الأولى". [رواه البخاري]

فإن مفاجآت المصيبة لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمتها, فإن صبر للصدمة الأولى انكسر حدها وضعفت قوتها؛ فهان عليه استدامة الصبر.

قال أبو عبيد: إن كل ذي رزية فإن قصاراه الصبر, ولكنه إنما يُحمد على صبره عند حدة المصيبة وحرارتها.

وقال إبراهيم بن أدهم: ليس الصبر بالتجلد، وإنما هو حبس القلب عن التسخط على المقدور، ورد اللسان عن الشكوى. فمن تجلد وقلبه ساخط على القدر فليس بصابر.

وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل وقت ينظر فيها، وفيها: { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [الطور:48]

ولعل اسم أيوب هو أشهر الأسماء التي تقترن بالصبر كلما ذكرت,

حتى ضرب الناس به المثل فقالوا:

صبر أيوب:

وصبر أيوب ؛ كان على ما أصابه من ضر في بدنه, وعلى فقده أهله, وإن لم يصل حد المرض الذي أصابه إلى ما حكته ا?سرائيليات والروايات المكذوبة, وتلقفه الخيال الشعبي فأضاف إليه وزاد فيه؛ من بدن مقروح يتناثر منه الدود, وجسم عليل يكاد يشبه الرمة البالية, إلى غير ذلك مما يستحيل على رسل الله أن يصابوا به؛ حتى لا ينفر منهم الناس الذين يدعونهم إلى الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت