فهرس الكتاب
وتوج هذا كله بهذا التذييل الكريم بهذه العبارة الندية: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) .. فهذا التذييل يحمل أسباب التشريف السابق؛ وهو في ذاته تشريف جديد. وحسبك أن يسجل الله له فضيلة الصبر بقوله: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا) . ثم قال: (نِعْمَ الْعَبْدُ) . وليس هناك أشرف من وصف ا?نسان بالعبودية لله تعالى, فكيف بمن قيل فيه: نعم العبد؟! ثم قال: (إِنَّهُ أَوَّابٌ) . والأواب هو المبالغ في أوبته ورجوعه إلى الله تعالى.
الصبر منحة ربانية:
في الصحيحين من حديث أبي سعيد ت عن النبي خ قال:"ما أُعطي أحدٌ عطاء خيرا وأوسع من الصبر".
وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الخير, لا يعطيه الله عز وجل إلا لعبد كريم عنده.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكانها الصبر؛ إلا كان ما عوضه خيرا مما انتزعه.
البكاء لا ينافي الصبر:
في الصحيحين عن ابن عمر ب قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له, فأتاه النبي خ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود. فلما دخل عليه وجده في غشية, فقال:"قد قضى؟"قالوا: لا يا رسول الله! فبكى رسول الله خ. فلما رأى القوم بكاءه بكوا, فقال:"ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم"وأشار إلى لسانه.
وفي الصحيحين أيضا من حديث أسامة بن زيد ب أن رسول الله خ انطلق إلى إحدى بناته؛ ولها صبي في الموت. فرفع إليه الصبي ونفسه تَقَعقَع كأنها في شنة [1] ففاضت عيناه. فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال:"هذه رحمة جعلها"
الله في قلوب عباده, وإنما يرحم الله من عباده الرحماء"."
(1) الشَّنَّة: الْقِرْبَة البالِيَة. ومعناه: لها صوت وحَشْرَجَة كصوت الماء إذا أُلقِيَ في القِربَة البَالية.