الصفحة 172 من 200

قال ابن القيم / في شرح هذا الحديث ما ملخصه: [استوعب هذا الحديث الصحيح أقسام المكروه الواردة على القلب. فالهم يكون على مكروه يُتوقع في المستقبل يهتم به القلب. والحزن يكون على مكروه ماضٍ من فوات محبوب أو حصول مكروه؛ إذا تذكره أحدث له حزنا. والغم يكون على مكروه حاصل في الحال؛ ويوجب لصاحبه الغم. فهذه المكروهات من أعظم أمراض القلب وأدوائه. وقد تنوع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها. وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا يزيدها إلا شدة, كمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر كبائرها إلى أصغرها, وكمن يتداوى منها باللهو واللعب والغناء. وكلهم قد أخطأ الطريق، إلا مَن سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه الله ?زالتها؛ وهو دواء مركب من مجموع أمور؛ متى نقص منها جزء نقص من الشفاء بقدره. وأعظم أجزاء هذا الدواء: التوحيد والاستغفار, قال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } [محمد:19]

فالتوحيد يُدخل العبد على الله, والاستغفار والتوبة يرفع المانع ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه. فإذا وصل القلب إليه زال همه وغمه وحزنه, وإذا انقطع عنه حضرته الهموم والغموم والأحزان, وأتته من كل طريق, ودخلت عليه من كل باب.

وقوله: (ناصيتي بيدك) اعتراف بأن العبد لا يملك لنفسه من دون الله نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؛ لأن مَن ناصيته بيد غيره فليس إليه شيء من أمره, بل هو ذليل تحت سلطان قهره.

وقوله: (ماضٍ فيّ حُكْمُك، عدل فيّ قضاؤك) متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد؛ أحدهما: إثبات القدر، وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده، ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت