الصفحة 174 من 200

وقد وعد الله أصحاب البلايا بالسعة بعد الضيق, وبالعافية بعد البلاء, وبالرضا بعد الشدة، وباليسر بعد العسر. قال تعالى: { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } [الطلاق:7]

وقال تعالى: { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } [الشرح:5-6] ، فلم يجعل الله اليسر بعد العسر أو عقبه, بل معه, وذلك لينبه على أمرين:

الأول: قرب تحقق اليسر بعد العسر حتى كأنه معه ومتصل به.

الثاني: أن مع العسر يسرا لا ريب فيه, قد يكون ظاهرا ملموسا, وقد يكون خفيا مكنونا. وذلك ما نسميه اللطف. ففي كل قدر لطف, وفي كل بلاء نعمة. وفي هذا يقول ابن عطاء السكندري: من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره. { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } [يوسف:100]

وكم قص سبحانه وتعالى من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب, كإنجاء نوح ومن معه في الفلك, وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أُمر بذبحه, وإنجاء موسى وقومه من اليم وإغراق عدوهم, وقصة أيوب ويونس وقصص محمد خ مع أعدائه وإنجائه منهم، كقصته في الغار ويوم بدر ويوم الأحزاب ويوم حنين.. قال تعالى: { حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } [يوسف:110]

ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر؛ أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى، وحصل للعبد اليأس من كشفه من جهة المخلوقين؛ تعلق قلبه بالله وحده. وهذه هي حقيقة التوكل على الله, وهو من أعظم الأسباب التي تُطلب بها الحوائج؛ فإن الله يكفي مَن توكل عليه, كما قال تعالى: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [الطلاق:3]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت