فهرس الكتاب
وفي هذا المعنى نقرأ في خواتيم سورة هود. وقد قص الله عليه فيها قصص عدد من إخوانه المرسلين: { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } [هود:120]
مع صاحب الصبر الجميل:
من أهل الصبر على البلاء نبي الله يعقوب ؛ الذي وصفه الله -مع أبويه إبراهيم وإسحاق- بأنه من عباده { أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } [ص:45] ، أي القوة في دين الله والبصر بدينه.
وقد امتُحِنَ يعقوب ؛ بفراق أحب أبنائه إليه: يوسف, ومِن بعده شقيقه الأصغر. ولم يكن صبر يعقوب على يوسف بالأمر الهين أو الخطب اليسير؛ إذ لم يكن يوسف ابنا عاديا بالنسبة إلى أبيه:
إنه الصغير الذي ينال عادة من قلب أبيه ما لا يناله الكبير.
وإنه اليتيم الذي منحه أبوه من عاطفته ما يعوضه ما فقده من حب الأم.
وإنه الجميل الذي ضُربت بحسنه الأمثال, ومن طبيعة الجمال أن يُحَبْ.
وإنه النابه الذي تبدو عليه مخايل النجابة منذ نعومة أظفاره، وتوسم فيه أبوه من رؤياه التي قصها عليه أنه سيكون له شأن؛ أي شأن.
كل هذا جعل الأب يزداد تعلقا بابنه؛ فلا عجب أن يكون الابتلاء بفراقه في هذه السن من أمرِّ ما يذوقه ا?نسان من شدائد الحياة.
ولم يكن فراق يوسف كأي فراق آخر بين حبيبين يعرف كلاهما أين يقيم صاحبه, ويرجو أن ينتهي الفراق يوما بلقاء قريب. وإنما كان فراقا بعد مؤامرة ادُّعي فيها موت الصغير مقتولا، وانتهى إلى انقطاع كلي بين الابن وأبيه؛ حيث لا يُعرف للابن مقر ولا مصير.
ولم تكن هذه المؤامرة أو هذا الكيد من غرباء موتورين, أو أعداء متربصين. فقد يهون الكيد على النفس إذا جاء من عدو, وإنما كان الكيد من إخوة لأخيهم, وكان الكذب من أبناء على أبيهم. وقد قيل: إن طعنة العدو تجرح الجسم، أما طعنة الصديق فتجرح صميم القلب. فكيف بطعنة الأخ لأخيه، والابن لأبيه؟!