الصفحة 178 من 200

ومع هذا تجمل يعقوب بالصبر أولا، وبالصبر آخر! وقال بعد فراق الولد الأول: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } [يوسف:18]

وقال بعد فراق الثاني: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } [يوسف:83]

فهو ليس صبر البائس القنوط, إنما هو صبر الآمل الراجي في فضل الله, الواثق بأن بعد العسر يسرا, وبعد الفرقة اجتماعا: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا) .

ومع وعد يعقوب بالصبر الجميل؛ لم يلبث أن هاج فراق ولده الثاني ذكرى ولده الأول -والأسى يبعث الأسى- فثار به الشوق والحنين والحزن؛ فتولى عن أبنائه وقال: { يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ . قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف:84-86]

ومن رحمة الله أنه قدر للبشرية طبيعتها وضعفها, فلم يلم يعقوب على ما أبداه من أسف على يوسف, ومن حزن ابيضت منه عيناه, ولم ينزله بذلك عن درجة (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) . ومن هنا قال العلماء: لا يُخرج العبد من الصبر وجدان المرارة والألم, بل يكون مع ذلك صابرا؛ لأن هذا وصف البشرية لما ينافي طبعها.

ولما لاموا يعقوب ؛ في استمرار ذكر يوسف رغم مضي السنوات الطوال على فقده, وتأثير ذلك على صحته قال: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف:86]

وهنا نعلم أن الصبر الجميل الذي وعد به يعقوب -والنبي إذا وعد لم يخلف- لا ينافي الشكوى إلى الله تعالى, إنما ينافي الشكوى من الله تعالى بإظهار الجزع, والتبرم والسخط على القضاء, والدعاء بدعوى الجاهلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت