الصفحة 179 من 200

مع يوسف الصديق:

ومن النماذج القرآنية المرموقة في عالم الصبر والصابرين يوسف بن يعقوب عليهما السلام. فقد كانت حياته سلسلة متلاحقة من البلاء, لا يفرغ من محنة إلا ليدخل في محنة مثلها أو أشد منها. فرغ من محنة إخوته وكيدهم له, ليدخل في محنة امرأة العزيز وكيدها العظيم, ويفرغ من كيد امرأة العزيز, ليواجه محنة السجن ويلبث فيه بضع سنين؛ بلا جرم جناه, أو سبب قدمته يداه. ويفرغ من هذه ليلقى محنة السراء والعافية, فيبتلَى بالمنصب والوزارة, ويتولَى مسئولية الزراعة والمالية والتموين في زمن أزمة طاحنة؛ كادت تودي بمصر وما حولها من البلدان. وهو إلى جوار هذه المحن كلها يعاني محنة الغربة. والبعد عن الأهل والوطن والعشيرة كريه؛ وخاصة مع الوحدة, وطول الزمن, وانقطاع الأخبار.

محن عديدة متوالية, ولكنها لم تلن له قناة, ولم تحن له ظهرا, ولم تفلح في زحزحته عن التمسك بالصبر.

ولا عجب أن مكن الله له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وجعله على خزائنها سيدا متصرفا؛ جزاء صبره وتقواه.

وقد سئل ا?مام الشافعي يوما: أيهما أفضل للمؤمن: أن يبتلَى أم أن يمكن؟ فقال: وهل يكون تمكين إلا بعد ابتلاء؟ إن الله ابتلى يوسف ثم مكن له، فقال: { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف:56]

والحق أن مفتاح قصة يوسف ونجاحه في حياته رغم ما اعترضه من عقبات ومعوقات تُقصَم فيها ظهور، وتندق فيها أعناق؛ إنما هو في هذا التعقيب الموجز الذي حكاه القرآن على لسان يوسف نفسه؛ بعد أن كشف ?خوته اللثام عن شخصيته: { قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف:90]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت