وزيَّن له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وسلَّط عليه الشيطان بحقده وحسده وعداوته؛ يجلب عليه بخيله ورَجِله، ويشاركه في ماله وولده ويَعِدُه ويُمَنِّيه، ويجري منه مجرى الدم من العروق.. وطلب الله من هذا الإنسان أن يحيا حياة الجد والكفاح كادحا إلى ربه كدحا فملاقيه، ورسم له طريق السير إليه؛ فأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وحدد المعالم، وأمده بجند من عنده، وأمره أن يستعين به ويتوكل عليه، وحذره من مزالق الطريق وعقباته، وعلمه كيف يتخطى العقبات ويقتحمها؛ كيف ينهض إذا عثر، وكيف يسير إذا توقف.
فكما كتب عليه حظه من السقوط؛ فهو مدركه لا محالة؛ كتب له حظه كذلك من النهوض؛ لو اتخذ إليه الوسيلة.. فكان الدواء كما كان الداء:"كل بني آدم خطَّاء".. هذا هو الداء، و"خير الخطائين التوابون".. وهذا هو الدواء.
وكان من فضل الله تعالى وعظيم عفوه وواسع رحمته وسابغ مغفرته: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ } [فاطر:45] ، { لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ } [الكهف:58]
وعلى الإنسان أن يتخذ أسباب الحمية من هذا الداء، وجُنة الوقاية منه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } [التحريم:6] فإذا غلبه القدر بما كسبت يداه فليشرع في تناول الدواء: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا } [التحريم:8] . ومن هذا الطريق تصل النفس إلى: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } [الفجر:27] . وسوف ترفرف عليها هذه الظلال: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة:222]