الصفحة 66 من 200

وقد عصى آدم ولم يكفر؛ إذ لم يزل الانقياد الباطن قائما بقلبه، وظهر هذا في قوله: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين } [الأعراف: 23]

ولذا أجمع أهل السنة على أنه لا يكفر المسلم بالمعصية ما لم يستحلها، فإن استحلها كفر؛ إذ الاستحلال دليل على زوال الانقياد الباطن من قلبه، ولا يلزم أن يجحد شرعيتها، فجحد شرعيتها انتفاء لقول القلب، والاعتراض على الله في تشريعها انتفاء لعمله وانقياده. كمن يقر مثلا بأن الله حرم الزنا والربا، ولكنه يقول: إن الحرية الشخصية مقدمة على هذا التحريم، ويرى أن المصالح لا تقوم إلا بالربا، وأن تحريمه لا يتناسب مع الاقتصاد الحديث، وأن تحريمه عائق عن التقدم.

الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أنْ يقولها صدقًا مِن قلبه، يواطئ قلبه لسانه. قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ . فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [البقرة: 8-10]

وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل عن النبي خ:"ما مِن أحدٍ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ صِدقًا مِن قلبِهِ إلا حَرَّمَهُ اللهُ على النارِ".

قال ابن القيم: [والتصديق بـ"لا إله إلا الله"يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة. التصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه. فالمصدق بها على الحقيقة هو الذي يأتي بذلك كله، ومعلوم أنَّ عصمة المال والدم على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبالقيام بحقها، وكذلك النجاة مِن العذاب على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبحقها.] ا.هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت