الصفحة 78 من 200

[وأي إنسان يمر عليه يوم من غير خطايا وهفوات؟ لقد خلق الله ا?نسان خلقا عجيبا؛ فيه من الملَك روحانيته, ومن البهيمة شهوتها, ومن السباع حميتها. وكثيرا ما تغلبه الشهوة, ويستفزه الغضب, ويجذبه تراب الأرض الذي خلق منه, فيقع في الأخطاء. وليس العيب أن يخطئ ا?نسان فكل بني آدم خطاء, ولكن العيب أن يتمادى ا?نسان في الخطأ, ويستمر في الانحدار، حتى يصير كالأنعام أو أضل سبيلا!

وفي الصلوات الخمس فرصة يثوب فيها المخطئ إلى رشده، ويفيق المغرور مِن سُباته، ويرجع الإنسان إلى ربه، ويطفئ هذا السعار المادي الذي أججته المطامع والشهوات ونسيان الله والدار الآخرة.] [العبادة في الإسلام]

فـ[ما بين الصلاتين تحدث للعبد الغفلة والجفوة والقسوة، والإعراض والزَّلات والخطايا؛ فيبعده ذلك عن ربه، وينحّيه عن قُربه؛ فيصير بذلك كأنه أجنبي من عبوديته، ليس من جملة العبيد. وربما ألقى بيده إلى أسر العدو له؛ فأسره، وغلَّه، وقيَّده، وحبسه في سجن نفسه وهواه.. فحظُّه ضيق الصدر، ومعالجة الهموم والغموم، والأحزان والحسرات؛ ولا يدري السبب في ذلك.. فاقتضت رحمة ربه الرحيم الودود أن جعل له مِن عبوديته عبودية جامعة، مختلفة الأجزاء والحالات بحسب اختلاف الأحداث التي كانت من العبد، وبحسب شدَّة حاجته إلى نصيبه من كل خير من أجزاء تلك العبودية.

فبالوضوء يتطَّهر من الأقذار، ويُقدِم على ربِّه متطهرًا، والوضوء له ظاهر وباطن: فظاهره طهارة البدن وأعضاء العبادة. وباطنه وسره طهارة القلب مِن الذنوب والمعاصي وأدرانه بالتوبة. ولهذا يقرن تعالى بين التوبة والطهارة في قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة:222] وشرع النبي خ للمتطهِّر أن يقول بعد فراغه من الوضوء:"أشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.. اللهم اجعلني من التوّابين، واجعلني من المتطهرين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت