الصفحة 84 من 200

إنها تقوم بتغذية ذلك الجزء العلوي ا?لهي في كيان ا?نسان, وهو المشار إليه بقوله تعالى: { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي } [الحجر:29] ؛ ذلك الكائن الروحي الذي يعيش بين جوانح ا?نسان, لا يكفي لتغذيته علم العلماء، ولا أدب الأدباء, ولا فلسفة المتفلسفين, ولا يغذيه إلا معرفة الله وحسن الصلة به. ففي هذه الصلوات الخمس مناجاة العبد لربه, وهي شحنة روحية تنير قلبه وتشرح صدره, وتأخذ بيده من الأرض إلي السماء, وتدخله إلى الله بلا باب, وتقفه بين يديه بلا حجاب, فيكلمه بلا ترجمان, ويناجيه فيناجي قريبا غير بعيد, ويستعين به فيستعين بعزيز غير ذليل, ويسأله فيسأل غنيا غير بخيل.. يستحضر قول الله عز وجل:"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) . قال الله عز وجل: حمدني عبدي. فإذا قال: (الرحمن الرحيم) . قال الله: أثنى عليّ عبدي. فإذا قال: (مالك يوم الدين) . قال: مجدني عبدي. فإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) . قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) . قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" [رواه مسلم]

فيا لذة القلب، وقرة العين، وسرور النفس بقول الرب: (عبدي) ثلاث مرات فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغم النفوس؛ لاستطيرت

فرحا وسرورا بقول ربها وفاطرها ومعبودها: (حمدني عبدي)

و (أثنى عليّ عبدي) و (مجدني عبدي) ..

عن سلمان الفارسي ت قال: الصلاة مكيال, فمن وفى مكياله وُفي له, ومَن طفف فقد علمتم ما قاله الله في المطففين.

ويقول ابن القيم / في"الفوائد": للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة. وموقف بين يديه يوم لقائه. فمَن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر. ومَن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه ذلك الموقف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت