ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ النُّفُوسَ الصِّغَارَ والعُقُولَ الضَّعِيفَةَ إذَا حُمِلَتْ عَلَى مَحْضِ الحَقِّ وحُمِّلَ عَلَيْهَا ثِقَلُهُ تَفَسَّخَتْ تَحْتَهُ واسْتَعْصَتْ ولَمْ تَنْقَدْ، فَإذَا أُعْطِيَتْ شَيْئًا مِنَ البَاطِلِ لِيَكُونَ لَهَا عَوْنًا عَلَى الحَقِّ ومَنْفَذًا لَهُ، كَانَ أسْرَعَ لِقَبُولِهَا وطَاعَتِهَا وانْقِيَادِهَا ... وهَذَا البَاطِلُ واللَّهْوُ الَّذِي هُوَ حَظُّ الأطْفَالِ والنِّسَاءِ والجَوَارِي .
ولَا رَيْبَ أنَّ الرِّجَالَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِيهِمْ، بَلْ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ الرَّجُلَ المُغَنِّيَ مُخَنَّثًا لِتَشَبُّهِهِ بِالنِّسَاءِ ... وسُئِلَ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الغِنَاءِ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: أرَأيْتَ إذَا مَيَّزَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ فَفِي أيِّهِمَا يُجْعَلُ الغِنَاءُ فَقَالَ فِي البَاطِلِ، قَالَ: فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إلاَّ الضَّلَالُ، فَكَانَ العِلْمُ بِأنَّهُ مِنَ البَاطِلِ مُسْتَقِرًّا فِي نُفُوسِهِمْ كُلِّهِمْ وإنْ فَعَلَهُ بَعْضُهُمْ» انْتَهَى .
( وأخِيرًا؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أنَّ الضَّرْبَ بِالدُّفِّ لِلرِّجَالِ حَرَامٌ وذَلِكَ لأمُورٍ:
الأمْرُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الضَّرْبُ بِالدُّفِّ إلاَّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَقَطْ، ومَنْ تَتَبَّعَ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَلِمَ ذَلِكَ، بَلْ لَا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ أوِ التَّابِعِينَ أوْ مِنْ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِينَ ضَرَبَ بِالدُّفِّ، ومَنْ نَقَلَ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ كَذِبٌ أوْ غَيْرُ صَحِيحٍ .