الصفحة 5 من 26

بيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خلال الأحاديث السَّابقة أنَّ الوالدين أحق النَّاس بحسن المعاشرة وجميل البرّ والإحسان؛ لعظيم فضلهما على الإنسان، وكثرة إحسانهما إليه، وشدّة عنايتهما به في الصِّغر، وحرصهما دائمًا على راحته وسعادته في جميع أطوار حياته، فهما سبب وجوده، وبفضل رعايتهما له اشتدَّ ساعده، وأصبح إنسانًا نافعًا قوّيًّا، قادرًا على الجهاد في معترك الحياة. ولذا أمر الله تعالى ببرّهما والإحسان إليهما، ونهى عن عقوقهما، وشدَّد في ذلك أبلغ التَّشديد، وحذَّر منه أبلغ التَّحذير، وذلك في كتابه العظيم، قال تعالى

[الإسراء: 23-24] .

توجب الآية الكريمة عبادة الله تعالى، وتدلُّ على منع عبادة غيره؛ وذلك لأنَّ العبادة عبارة عن"الفعل المشتمل على نهاية التَّعظيم"، ونهاية التَّعظيم لا تليق إلاَّ بمَنْ يصدر عنه نهاية الإنعام، وهي إعطاء الوجود، والحياة، والقدرة، والشهوة، والعقل، وقد ثبت بالدَّلائل أنَّ المعطي لها هو الله سبحانه وتعالى، فلا جرم أنْ يكون وحده المستحقّ للعبادة لا غيره.

ثُمَّ أتبع سبحانه وتعالى الأمر بعبادته الأمر ببرّ الوالدين، وقد بيَّن الإمام الرَّازيّ [1] المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى والأمر ببرّ الوالدين من وجوه ألخصها في الآتي:

[1] إنَّ السَّبب الحقيقيّ لخلق هذا الإنسان هو جعله خليفة الله تعالى في الأرض، والسَّبب الظَّاهريّ في إيجاده هو الأبوان، فأمر بتعظيم السَّبب الحقيقيّ، ثُمَّ أتبعه بالأمر بتعظيم السَّبب الظَّاهريّ.

(1) الرّازيّ: مفاتح الغيب أو التَّفسير الكبير، 20/184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت