فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 189

ولقد جئ إليه صلى الله عليه وسلم يومًا بطعام، فقالت له عائشة رضي الله عنها: لو أكلت يا نبي الله وأنت متكئ كان أهون عليك، فأصغى بجبهته حتى كاد يمس الأرض بها وقال:"بل آكل كما يأكل العبد، وأنا جالس كما يجلس العبد، وإنما أنا عبد" [1] .

ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة، فقال له:"هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد" [2] .

من أهم صور التواضع المرء عند نفسه: عدم تقديم نفسه للقيام بعمل ما، وكذلك رؤيته أنه ليس أهلًا للعمل الذي يتم ترشيحه له: كطلب الدعاء منه، أو تقديمه للإمامة في الصلاة، أو التحدث أمام الناس.

فهذا أبو بكر الصديق يقول في أول خطبة له بعد توليه الخلافة: قد وليت عليكم ولست بخيركم .. مع أنه خير الناس جميعًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه استصغار النفس.

وهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقال له: يا أمير المؤمنين! لو أتيت المينة، فإن قضى الله موتًا دفنت موضع القبر الرابع، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر، قال: والله لأن يعذبني الله بكل عذاب، إلا النار فإنه لا صبر لي عليها، أحب إلى من أن يعلم من قلبي أني أرى أني لذلك أهل [3] .

وكان كثير من السلف يكره أن يُطلب منه الدعاء ويقول لمن يسأله: أي شيء أنا، وكتب رجل إلى الإمام أحمد يسأله فقال: إذا دعونا نحن لهذا فمن يدعو لنا [4] .

(1) أخرجه بن المبارك في الزهد ص 53 في زيادات نعيم بن حماد.

(2) صحيح، رواه ابن ماجه والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح (7052) .

(3) سيرة ومناقب عمر بن العزيز لابن الجوزي ص 227.

(4) شرح حديث ما ذئبان جائعان لابن رجب ص 69 - مؤسسة الريان - بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت