الصفحة 11 من 24

[1] . وقد أكد الإسلام هذا المبدأ لأن الشعر الجاهلي لم يكن مجرد متعة وملهاة ، ولا محض رفاهية كمالية ، بل كان ضرورة لازمة أشد اللزوم وألصقه لحياتهم وتصوراتهم للكون والوجود وعلاقاتهم الإنسانية، فالشعراء الجاهليون هم المشرعون لقومهم وإن لم يعطوا سلطة التشريع كما يقول شلل [2] .

ومن أجل ذلك فقط أحاط التصور الإسلامي بهذه المسألة ليكون الأمر واضحًا: القرآن قرآن، والشعر شعر بل يجب أن يفرغ الشعر من المضامين الجاهلية ويملأ بالرؤى الإسلامية تلبية للحياة الجديدة التي جاء بها الإسلام وهذا ليس عداء للشعر باعتباره شكلًا فنيًا أو وسيلة للتعبير وإنما هو عداء لمضمونه الجاهلي الذي جاء الإسلام لإصلاحه والإنطلاق به إلى آفاق البشرية كلها.

وفي هذا السياق أجاز الرسول - صلى الله عليه وسلم - قصيدة كعب بن زهير الشهيرة (بانت سعاد) لتصبح نموذجًا يحتذى به من حيث الشكل والمضمون، رغم ما يدور في مطلعها من تقليد للجاهلين، ولكن إذا أمعنا النظر قد نجد شيئًا آخر فالشاعر لم يصف سعاد وصفًا جسديًا ماديًا كما كان يفعل الشعراء الجاهليون، وإنما وصف شعوره نحو سعاد وصفًا تجريديًا ، مما يجعل سعاد هذه ليست امرأة ذات لحم ودم وإنما هي رمز لأشواق الشاعر وتطلعاته التي كملت بلقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - والسير في ركاب دعوته، ولعلّ هذا المفهوم ظهر بصورة جلية في شعر العصور التي تلت هذا العصر وأخذ أبعادًا مختلفة لا سيما في شعر المتصوفة.

(1) سورة الشعراء الآية 224

(2) د. محمد النويهي ، الشعر الجاهلي (القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر) ، ص886.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت