فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 255

ويرجع سبب اختلاف الفقهاء في حكم حق الابتكار إلى اختلافهم في طبيعة هذا الحق واختلافهم في اعتباره، هل هو حق شخصي أم هو حق عيني؟ فالحق الشخصي ما يثبت في الذمة ولا يثبت على شيء معيّن، أما الحق العيني فإنه يثبت على معيّن بذاته.

وبما أن من العلماء من قال"إن الغرض الأظهر من جميع الأموال هو منفعتها" [1] ، كان لزامًا علينا بيان معنى المال عند الفقهاء، فالمال عند الحنفية"اسم لغير الآدمي، خلق لمصالح الآدمي وأمكن إحرازه والتصرف فيه" [2] ، حيث يتضح من هذا أن المال عند الحنفية عينٌ يُمكن إحرازه، فيخرج من ذلك المنافع كالسكن في الدار، حيث إن السكن في الدار لا يُعدّ مالًا لكون ذلك منفعة ولا يُمكن إحرازها، ويندرج من ذلك أن الابتكار لا يُعدّ مالًا بحدّ ذاته؛ لأنه منفعة للناس، إلا إذا اتفق العامل وصاحب العمل على الابتكار فإنه يصبح مالًا، وقد أجاز متأخرو الحنفية النزول عن حق الوظيفة بالمال، وهو حقٌ مجرد لا متقرر [3] ، أما جمهور الفقهاء فإنهم عرّفوا المال بأنه:"ما له قيمة يُباع بها، وهو أعيان أو منافع" [4] ، فيُفهم من ذلك أنهم اعتبروا المنافع مالًا بحدّ ذاتها، حيث يرى الشاطبي أن المال:"كل ما يقع عليه الملك ويستقل به المالك" [5] ، ونحن نرى أن من الفقهاء المالكية من يذكر للمال تعريفًا ينطبق على الابتكار العلمي، حيث يقول بعضهم:"ظاهر المال إذا أُطلق يشمل العين والعَرَض" [6] ،

وهذا التعريف متحقق في الابتكار الفكري لأنه صورة ذهنية، أو معانٍ عقلية متجردة، لا قيام لها بنفسها، ولا يمكن الإشارة إليها حسًا من حيث ذاتها إلا بعد إضافتها ... إلى صاحبها ومصدرها الذي اتخذته حيزًا ماديًا لها [7] ،وعند الشافعية المال:"كل ما له قيمة يُباع بها،"

(1) العز بن عبد السلام، عز الدين، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص200، بدون رقم طبعة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج6، ص245. ابن نجيم،، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج6، ص43.

(3) ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، ج4، ص 205.

(4) الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 3،ص 442.الشربيني، مغني المحتاج، ج 2،ص 286. ابن قدامة، المغني ج7،ص 364.

(5) الشاطبي، الموافقات، ج2، ص17.

(6) الرصاع، محمد، شرح حدود ابن عرفة (الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق ابن عرفة الوافية) تحقيق محمد أبو الأجفان والطاهر المعموري، ط1،ص 380، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان ..

(7) الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، ج2، ص25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت