فهرس الكتاب
يقول الشًّيخ - رحمه الله:"مَن لم يفطن لهذه القاعدة وأراد أن يتكلم على كُلِّ مَسألة بكلامٍ فَاصِلٍ = فقد ضَلَّ وَأضَلَّ": يعني: مَن أراد أن يُبَيِّن في مسألةٍ ( مثلًا ) أنَّ هذا حلال وإلا حرام وإلا مُسْتَحَبٌّ = فقد ضَلَّ وأضَلَّ. هذه عبارة الشيخ - رحمه الله -؛ وذلك أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - قال:"بينهما أمور مُشْتَبِهَات لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من الناس": فإذَن؛ هناك أشياء مُشْتَبِهَة. فما هي القاعدة في هذه الأشياء المُشْتَبِهَة؟ القاعِدة أن الإنسان يجتنبها ويبتعد عنها؛ كَمَا بَيَّن ذلك الرسول - عليه الصلاة والسلام - في نَفْس الحديث؛ فقال:"كالراعي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِك أن يَرْتَعَ فيه، ألا وإنَّ لِكُلِّ مَلِك حِمَى، ألا وإنَّ حِمَى الله مَحارِمه"؛ لأنَّ الاقترابَ مِن المُتَشَابِهات يُؤَدِّي بالإنسان إلى الوقوع في المُحَرَّمَات - والعياذ بالله -.
فَنَسْتَخْلِص مِن هذه القاعِدَة: أنَّ مَوقِفَ المُسْلِم مِن الأمُور المُشْتَبِهات، التي وَقَعَ فيها التَّرَدُّد، ولم يَظْهَر له فيها حِلُّه أو حُرْمَته، يُمْكِننا تَقسيمه إلى أمْرَين:
الأمر الأول - فيما يتعلَّق بالفَتْوَى في هذا الأمر المُشْتَبِه: على الإنسان أن يَتْرُكَ الفتوى في هذا الأمر؛ لئلا يقولَ على الله بلا عِلْم؛ ويُضِلَّ مَن يَتَّبِعُه في ذلك.
الأمر الثاني - فيما يتعلَّق بالعَمَل في هذا الأمر المُشْتَبِه: على الإنسان نَفْسِه أن يجتنبه؛ لأنَّ هذا الأمر لا يَخْلو إما أن يراه: واجبًا - لكنه مُتَرَدِّد فيه -؛ فيُوجِب على نَفْسِه شىئًا ليس بواجِب، أو يراه حرامًا - لكنه مُتَرَدِّد فيه -؛ فيُحَرِّم شيئًا لم يُحَرِّمْه الشَّارِع = فهو لا زال مُتَرَدِّدًا في نَفْسِه: فَيَحْتَنِبه من جِهَة الفتوى ( القول ) ، ومِن جِهَة العَمَلِ أيضًا.