فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 331

قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا فقد قال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب:35] وفرق بين هذا وهذا، فهذه ثلاثة مواضع في القرآن].

فرق الله تعالى في كتابه العظيم بين الإيمان والإسلام في ثلاثة مواضع: فالموضع الأول: في سورة الحجرات، قال تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات:14] ، أثبت لهم الإسلام ونفع عنهم الإيمان.

الموضع الثاني: في سورة الذاريات، يقول تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:35 - 36] .

الموضع الثالث: في سورة الأحزاب: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب:35] .

وكذلك جاء في السنة حديث سعد بن أبي وقاص الذي رواه الشيخان وغيرهما أنه لما وصف سعد رجلًا بالإيمان قال: (أو مسلم) ففرق بين الإيمان والإسلام.

قال المصنف رحمه الله تعالى:[وأيضًا فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، (أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالًا ولم يعط رجلًا، فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن قال: أو مسلم، قال: ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلانًا وفلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال أو مسلم؟ مرتين أو ثلاثًا) ، وذكر في تمام الحديث: (أنه يعطي رجالًا ويدع من هو أحب إليه منهم؛ خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم) .

قال الزهري رحمه الله: فكانوا يرون أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل] .

هذا الحديث وهو حديث سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رجالًا ولم يعط رجالًا، أي: أعطاهم من الغنائم يتألفهم على الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعطي على الهوى، ولكن يعطي ضعفاء الإيمان حتى يتقوى إيمانهم وحتى لا يرتدوا، وأقوياء الإيمان لا يعطيهم، وإنما يكلهم إلى إيمانهم، فعطاؤه عليه الصلاة والسلام هو لله وليس عن الهوى.

فلما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم رجالًا وترك رجلًا، قال: سعد: فترك رجلًا هو أعجبهم إلي أرى أنه مؤمن، فكيف يتركه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يعطيه؟ ولا يدري ما الحكمة في ذلك، يظن أنه من كان قوي الإيمان يعطيه ومن كان ضعيف الإيمان لا يعطيه، فقال: (يا رسول الله! مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مسلم؟ -يعني: ما بلغ درجة الإيمان- فسكت سعد رضي الله عنه، قال: ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم، للمرة الثانية، فسكت سعد، ثم غلبه ما يجد، فقال في المرة الثالثة، يا رسول الله! مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: أو مسلم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني أعطي رجالًا وغيرهم أحب إلي خشية أن يكبهم الله في النار) ، أي: أحس أنه سيرتد، فهو ضعيف الإيمان، كما قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ} [الحج:11] .

وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأعطي رجالًا لما في قلوبهم من الهلع والجزع، وأترك أقوامًا لما في قلوبهم من الخير، منهم فلان وفلان) فقال من استثناه: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله الدنيا وما فيها.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يعطي ليتألف على الإسلام.

والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت له الإسلام ورفع منزلته.

أما قول الزهري: (فكانوا يرون الإسلام الكلمة والإيمان العمل) ، فقد سبق في مسمى الإسلام، وقد قلنا إن فيه ثلاثة أقوال: القول الأول للزهري وجماعة: أن الإسلام هو كلمة النطق بالشهادتين، والإيمان هو العمل، لكن الزهري إمام وليس مقصوده رحمه الله أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان بل المقصود أن الكافر إذا نطق بالشهادتين تميز عن اليهودي والنصراني وحكم له بالإسلام، وإلا فالعمل داخل في مسمى الإسلام.

القول الثاني: أن الإسلام والإيمان مترادفان، فالإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام.

والثالث: أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة.

والقول الرابع وهو الصحيح الراجح: أنها تختلف دلالة الإسلام والإيمان بالتفرد والاقتراب، فإذا قرن الإسلام بالإيمان صار لكل واحد معنى، وصار الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، وإذا أفرد الإسلام دخل فيه الإعمال الظاهرة والباطنة، وإذا أفرد الإيمان دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة.

قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأجاب سعدًا بجوابين: أحدهما أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا] .

هذا هو الجواب الأول الذي أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم سعدًا وهو: أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلمًا لم يصل إلى درجة الإيمان، ولهذا لما قال سعد رضي الله عنه: والله إني لأراه مؤمنًا، قال: أو مسلم، أي: ما وصل إلى درجة الإيمان؛ لأن المسلم هو الذي عنده تقصير في بعض الواجبات، فهو مسلم موحد لكن عنده تقصير في بعض الواجبات، أو يفعل بعض المحرمات، فإذا أدى الواجب وترك المحرمات يسمى مؤمنًا بإطلاق، وإن كان مسلمًا لابد له من إيمان يصحح إسلامه، لكن لا يطلق عليه اسم الإيمان إذا كان عاصيًا، بل يسمى مسلمًا ولا يسمى مؤمنًا، فإذا أدى الواجبات وترك المحرمات يسمى مؤمنًا بإطلاق.

فهذا هو الجواب الأول ومعناه: أن هذا الذي تشهد له بالإيمان قد يكون مسلمًا، وما وصل إلى درجة الإيمان، وذلك لتقصيره في بعض الواجبات، أو لفعله بعض المحرمات.

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثاني: إن كان مؤمنًا وهو أفضل من أولئك، فأنا قد أعطي من هو أضعف إيمانًا؛ لئلا يحمله الحرمان على الردة فيكبه الله في النار على وجهه، وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم] .

هذا هو الجواب الثاني، وهو أنه لو سلمنا أنه مؤمن كما تقول يا سعد فأنا أعطي المال لمن كان أضعف إيمانًا حتى يتقوى إيمانه، أما هذا فقوي الإيمان فلا أعطيه بل أتركه لإيمانه، وضعيف الإيمان أعطيه لئلا يحمله الحرمان على الردة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت