فالناهي عن المنكر يجب عليه أولًا أنْ ينظر إلى حال من أراد نهيه ثم يرجح بين المصالح والمفاسد، فإذا كانت المصلحة تأتي بالنهي فَلْيَنْهَ، وإذا ترجح في ظنه أنَّ النهي عن هذا المنكر سيأتي بما هو أكبر فلا يجوز أن ينهى عنه، يقول الإمام ابن القيم:"فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع أو مكاء وتصدية [1] ، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة فهو المراد وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون ونحوها، وخفت عليه من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر، فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع" [2] .
ويقول الإمام ابن القيم كذلك حاكيًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية:"وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ونور ضريحه ـ يقول: مررتُ أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه ذلك وقلت له: إنَّما حرم الله الخمر لأنَّها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال فدعهم" [3] .
وعلق الدكتور/يوسف القرضاوي على قصة ابن تيمية هذه بقوله:"وهذا هو الفرق بين الفقيه الحرفي أو ما سميته فقيه الأوراق وبين فقيه الحياة وفقيه الميدان والمعركة، الأول أنكر المنكر الذي رآه دون اعتبار للمقصد والدافع والثاني نظر إلى الواقع في ضوء المقاصد فقال ما قال" [4] .
(1) المكاء: التصفير بالفم أو التشبيك بالأصابع أو النفخ فيها، والتصدية: التصفيق باليد.
(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين، 3/5.
(3) المصدر السابق، 3/5.
(4) فقه الدعوة ملامح وآفاق، ص 188.