فلذلك لم ينزل عليهم بالأحكام التي تقوم وتصلح تلك الحياة جملة واحدة، لأن ذلك لا يعالج مثل هذا المجتمع الذي تأصل فيه الضلال والفساد. بل سلك مسلكًا حكيمًا أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى؛ وهو التدرُّج بهم في تشريع هذه الأحكام التي تصلح من حالهم، يقول الدكتور/يوسف حامد العالم:"إنَّ القرآن الكريم له مسلك خاص تفرد به في معالجة الأمراض الاجتماعية الخطيرة، وذلك باتباع سنة التدرُّج في تقرير الأحكام وتأكيدها" [1] .
ويمكن تلخيص هذا المسلك في أسلوبين عالج بهما القرآن العادات السيئة التي تأصلت في المجتمع:
فالأسلوب الأول: هو تأجيل العلاج حتى يستقر الإيمان في قلوب المسلمين بحيث يمكن الاستعانة بقوة الإيمان كدافع قوي يسهل عملية التخلص من العادات السيئة المستحكمة، وتعلم عادات جديدة بدلًا منها.
وأما الأسلوب الثاني: فهو عبارة عن التهيئة المتدرجة لنفوس المسلمين للتخلص من هذه العادات ، ومثاله الخمر [2] .
إنَّ التدرُّج في التشريع من أبرز الحكم لنزول القرآن منجمًا، وما ذاك إلاَّ لإخراج الناس إلى الإسلام بدون أنْ يثقل عليهم أو ينفرهم، لكي يبلغ بهم المنزلة التي يريدها الله تعالى وهي الالتزام بمنهج الإسلام كاملًا شاملًا لكل الحياة.
أنواع التدرُّج:
وإذا نظرنا إلى التدرُّج التشريعي في الصدر الأول للإسلام نجده نوعين:
النوع الأول: وهو التدرُّج في الأحكام جملة.
والنوع الثاني: التدرُّج في تشريع الحكم الواحد.
(1) حكمة التشريع الإسلامي في تحريم الربا: د. يوسف حامد العالم، ص 12.
(2) انظر كتاب: القرآن وعلم النفس: الدكتور محمد عثمان تجاني، طبعة دار الشروق، 1982م.