الصفحة 17 من 34

فلو جاءتهم جملة واحدة لثقلت عليهم وما انقادوا لها، لأنه من العسير إخراج مثل هؤلاء القوم بين يوم وليلة من حياة إلى حياة أخرى مختلفة تمامًا من الحياة التي ألفوها واعتادوا عليها وانطبعت في نفوسهم.

فلذلك جاء القرآن أولًا بالدعوة إلى التوحيد والإيمان بالله، وأنَّ الله هو المتصرف في هذا الكون ولا أحد غيره، وأن الأصنام التي تعبد من دونه لا تغني شيئًا.

ولما وجدت هذه العقيدة موضعًا في قلوبهم، وآمنوا بها، أنزل الله تعالى التشريعات الأخرى تشريعًا بعد الآخر، وكلما اعتادوا على حكم وألفوه وانقادوا له أنزل الله حكمًا آخر، فانقادوا إلى الإسلام وخرجوا من حياة الجاهلية إلى حياة تهتدي بأنوار الحق وهم لا يشعرون.

فكان نزول التشريع مدرجًا أسهل عليهم في التكليف، يقول الإمام النسيابوي ـ بعد أنْ عدَّد عددًا من الفوائد لنزول القرآن منجمًا ـ:"إنَّ نزول الشرائع مدرجة أسهل على المكلف منها دفعة واحدة" [1] .

فنزول الشرائع جملة واحدة فيه حرج على المكلَّف وصعوبة في الامتثال، لكثرة التكاليف التي تكون عليه.

وإلى هذا المعنى أشار الشيخ/مصطفى المراغي فقال:"أنه لو نزل جملة على الخلق لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة عليهم، ولا يخفى ما في ذلك من حرج عليهم بكثرة التكاليف مرة واحدة، ولكن بإنزاله منجمًا جاء التشريع رويدًا رويدًا فكان احتمالهم له أيسر ومرانهم عليه أسهل" [2] .

الجملة منفرة:

إذا كان نزول التشريعات مدرجة يسهل الانقياد والامتثال، فإنَّ نزولها جملة ينفر المجتمع، ولا ينقاد إلى هذه التشريعات الجديدة، يقول الإمام القرطبي:

(1) غرائب القرآن ورغائب الفرقان: النيسابوري، الطبعة الاولى، 19/12.

(2) تفسير المراغي: أحمد مصطفى المراغي، الطبعه الخامسة، 19/13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت