"مبالغة وتأكيدًا بالمصدر للمعنى المتقدم، أي أنزلناه نجمًا بعد نجم، ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا" [1] .
لأنها تكلفهم ما لا يستطيعون تحمله، وفي امتثالهم لها عنت ومشقة، لأنَّ الإنسان إذا كان في حياة منحلة عن التديُّن واعتادت نفسه عليها لا يستطيع أنْ يكلف نفسه الخروج من هذه الحياة إلى حياة أخرى مختلفة تمامًا، ويمتثل تشاريع أخرى جديدة بين يوم وليلة.
وعدم استطاعته لها سببان:
الأول: أنَّه لا يستطيع أن يخرج بغتة عن حياة ألفها وانقاد إليها ردحًا من الزمان، لأن فطرته تأبى عليه ذلك.
والثاني: أنَّ امتثال تكاليف جديدة جملة واحدة تتكاثر عليه ولا يستطيع أنْ يؤديها على وجهها المراد، بخلاف إذا ما كلف بحكم واحد أو اثنين ثم لما اعتاد عليهما وأتقنهما كلف بحكم آخر. يقول الإمام الشاطبي:"فلو نزلت دفعة واحدة لتكاثرت التكاليف على المكلف فلم يكن لينقاد إليها انقياده إلى الحكم الواحد أو الاثنين" [2] .
ولما كان الله سبحانه وتعالى هو وحده العالم بأحوال البشر، وطباعهم وصفاتهم، أنزل هذا القرآن وراعى فيه هذه الطبائع، فلم يكلفهم ما لا يستطيعون تحمله، أو يشق عليهم.
التدرُّج علاج العادات المستحكمة:
هنالك بعض العادات السيئة التي إذا ألفها الإنسان واعتاد عليها واستحكمت في نفسه، لا يمكن تغيرها إلاَّ بنوع مخصوص من أنواع العلاج وهو جعل الإنسان يتخلى عنها رويدًا رويدًا.
(1) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي، 10/340.
(2) الموافقات: للشاطبي، طبعة دار الفكر، 3/929.