الصفحة 19 من 34

وقد جاء الإسلام إلى مكة، وكان أهلها قد استحكمت فيهم عادات وأعراف ولم يكن من السهل نهيهم عنها جملة، لذلك تدرج بهم حتى تخلصوا منها. فكان التدرُّج هو العلاج الناجع لهذه الأمراض يقول الشيخ/محمد الخضري بك:"جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - والعرب قد استحكمت فيهم عادات، منها ما هو صالح للبقاء ولا ضرر منه على تكوين الأُمَّة ومنها ما هو ضار يريد الشارع إبعادهم عنه فاقتضت حكمته أنْ يتدرج بهم شيئًا فشيئًا لبيان حكمه وإكمال دينه".

ومن أمثلة هذه العادات التي استحكمت عند العرب وأراد الشارع التخلص منها، شرب الخمر، فقد اعتاد العرب على شربها، وأصبحت جزءً من حياتهم، يشربونها في الصباح والمساء ولا يستطيعون تركها أبدًا. وكانت مصدر رزق للكثيرين منهم. وهذه الحالة التي بلغها العرب في شرب الخمر هي ما يسميها الأطباء اليوم بالإدمان. ومن آثار هذا الإدمان أن المدمن لا يستطيع أنْ يتخلى عن هذا الشراب الذي أدمنه فجأة وجملة واحدة؛ لأنَّ خلايا جسمه قد تعودت عليه، ولا تتحمل تركه بهذه السرعة، وإذا تركه بهذه الطريقة فانه يؤدي إلى اختلال في حياة الفرد، يقول الدكتور/محمد علي الباز في معنى الإدمان:"هو أنْ يتعود شخص ما على عقار معين بحيث تتعود خلايا جسمه على هذا العقار، ولو سحب هذا العقار فجأة لأدَّى إلى ظهور تغيُّرات نفسية وجسدية، ولذا يضطر متعاطي هذا العقار إلى البحث عنه بكل وسيلة ولو أدَّى ذلك إلى تحطيم حياته كلها، بحيث لا يصبح له هم ولا فكر إلا في كيفية الحصول عليه واستعماله" [1] .

(1) الخمر بين الطب والفقه: للدكتور/محمد علي الباز، الطبعة الخامسة، ص 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت