فلم تكن طبيعة العرب في الجزيرة العربية تسمح بالتخلي عن شرب الخمر مرة واحدة، لأنه تكليف فيه عسر شديد وقد يخرج عن استطاعة بعضهم، فلا يمكن تنفيذه إلاَّ بالطريقة التي عالج بها القرآن هذا الأمر وهي طريقة التدرُّج بهم في التخلص منه، يقول الأستاذ/محمد المبارك:"والسبب في هذا التدرُّج في التكليف بترك الخمر أنَّ الناس كانوا مدمنين شربها، قد ألفوه وصار عادة من عاداتهم، وتكيفت به أمزجتهم، وكان صنعها والاتجار فيها مورد رزق عظيم لبعضهم، فلو فوجئوا بتحريمها دفعة واحدة لشق عليهم ترك ما ألفوه، ولاستثقلوا التكليف به، وأوشك أنْ يخالفه أكثرهم ويصرفهم عن قبول الدعوة ويحجب عنهم محاسن الإسلام" [1] .
إنَّ القرآن بدأ أولًا في تثبيت الإيمان الذي يساعد كثيرًا في امتثال الأوامر وتنفيذها، وكانت هذه المرحلة الأولى في تغيير المجتمع الجاهلي.
ثم بعد ذلك وكبداية لتحريم الخمر بدأ القرآن يتطرق إلى مسألة الخمر، فنبه أولًا إلى أنها ليست من الرزق الحسن، وأنَّ منافعها أقل من مضارها، ثم بعد ذلك قلَّل لهم من أوقات شربها بأنْ نهاهم عن الإتيان إلى الصلاة وهم سكارى؛ فأصبحوا لا يشربونها إلاَّ في المساء، ثم بعد هذه التهيئة الكاملة نزل التحريم النهائي، فكان ادعى للامتثال وأقرب إلى التنفيذ. وعندما نزل التحريم النهائي للخمر ما كان من الصحابة إلاَّ أنْ أراقوها في الطرقات وحطموا أوانيها التي كانت تصنع فيها، وقد كان بعضهم عندما نزل تحريم الخمر يشربون فلما أتاهم المنادي بأنَّ الخمر قد حرمت وضعوا فورًا الكؤوس من أيديهم وقال بعضهم:"انتهينا انتهينا"امتثالا لقول الله عز وجل في ختام آية تحريم الخمر: ... [2] .
(1) رسالة عن الخمر والميسر والسباق والوحدة الاسلامية: لمحمد المبارك، ص 11.
(2) راجع: مختصر تفسير ابن كثير، طبعة دار القرآن الكريم، بيروت، 1/ 546.