إنَّ هذا المنهج هو المنهج الذي ينبغي أنْ يتبع في جميع الأحوال التي يراد فيها تغيير عادات مستحكمة في المجتمع، ومن سلك غيره فإنَّه قد لا يصل إلى مراده أبدًا.
وخير مثال على ذلك محاولة الحكومة الأمريكية في منع شرب الخمر ومحاربتها، فقد استعملت جميع وسائل الإعلام الحديثة كالمجلات والصحف والمحاضرات والصور والأفلام السينمائية لتهجين شرب الخمر وبيان مضارها ومفاسدها، ويقدر ما أنفقته الدولة في هذه الحملة ضد الخمر ما يزيد على ستين مليون دولار في ذلك الوقت، ويقدر ما نشر من الكتب والنشرات ما يصل إلى عشرة ملايين صفحة، وقد استمرت محاولة تنفيذ قانون تحريم الخمر أربعة عشر عامًا، أُعدم فيها ما يقارب ثلاثمائة إنسان، وسُجِنَ أكثر من نصف مليون نفس، وكثرت فيها الغرامات والمصادرات للأملاك لردع الناس عن الخمر.
ولكن كل هذا الجهد لم يُجْدِ نفعًا، بل زاد من تعلُّق الأمريكيين بالخمر، حتى اضطرت الحكومة الأمريكية في سنة ألف وتسعمائة وثلاث وثلاثين إلى سحب هذا القانون و إباحة الخمر مرة أخرى إباحة مطلقة [1] .
إنني لا أود المقارنة بين هذا وبين ما حدث في المجتمع النبوي، ولكني أترك ذلك للقارئ.
التدرُّج تمليه الفطرة والطبيعة
التدرُّج سنة كونية:
إنَّ التدرُّج سنة من سنن الله تعالى في خلقه، والمتأمِّل في هذا الكون والمتفكِّر في خلقه وسيره يجد هذه السنة واضحة جلية، لا تخفى إلاَّ على من جعل الله على بصره غشاوة أو ختم على قلبه وجعل عليه أكنة.
(1) انظر: منهج القرآن في التربية لمحمد شديد، طبعة مؤسسة الرسالة، ص 13.