فالمتأمِّل لتعاقب الليل والنهار يجد أنَّ الليل والنهار يذهبان بالتدريج ويأتيان بالتدريج، فلا تكون الشمس في منتصف السماء، ثم تحتجب فجأة ويأتي ظلام الليل الدامس، بل تحتجب الشمس رويدًا رويدًا، ويدخل الليل رويدًا رويدًا، وكذلك لا يكون الليل، ثم فجأة تشرق الشمس وترسل أشعتها وحرارتها، كحرارة منتصف النهار، بل تطلع الشمس شيئًا فشيئًا وترسل حرارتها رويدًا رويدًا.
والمتأمِّل للنباتات كذلك لا يجد النبات يخرج ويثمر فجأة، ولكن ينمو في أطوار متدرجة.
وكذلك ينمو الإنسان، فمن نطفة يكون علقة، ومن علقة يكون مضغة، ثم بعد ذلك يكون عظامًا، ثم تكسى العظام باللحم، ثم يخرج إلى الدنيا طفلًا لا يعلم شيئًا، ثم ينمو بالتدريج حتى يبلغ أرذل العمر أو يتوفى قبل ذلك، يقول تعالى: [1] .
وكل متفكِّر في مخلوقات الله يجد هذه الحكمة الظاهرة الواضحة، ثم إذا انتقلنا إلى أفعال الإنسان وممارساته نلحظ هذه السنة الكونية، فالمخترع مثلًا أو الصانع إذا أراد أنْ يصنع آلة فإنَّه يبدؤها بالتدريج، فيركب جزءً بعد جزء، وعضوًا بعد عضو.
وكذا في التعليم، فإنَّ المتعلم الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة لا يمكنه أنْ يصبح عالِمًا بكل العلوم في ليلة واحدة أو حتى في شهور، ولكن يكون ذلك بالتدريج، فيبدأ بأولها والذي يمكنه من معرفة آخرها، حتى يصل إلى كمال العلم.
(1) سورة المؤمنون، الآيات (12ـ14) .