وأما من أراد أنْ يلم بأواخر العلوم دون أنْ يعرف أوائلها ولا يتدرج في طلبها فإنه يبتغي المحال، وقد أشار إلى هذه الحكمة اللطيفة الشيخ/الماوردي بقوله:"واعلم أنَّ للعلوم أوائل تؤدِّي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها، فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها، وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها، ولا يطلب الآخر قبل الأول ولا الحقيقة قبل المدخل، فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة، لأنَّ البناء على غير أس لا يبنى، والتمر من غير غرس لا يجنى" [1] .
وهذه السُّنَّة الكونية ليست معروفة فقط لبني آدم وحدهم، بل حتى الشياطين التي تهدف إلى إضلال بني آدم تعرف هذه الحقيقة الكونية، ويعلم الشيطان جيدًا أنَّ الغواية والإضلال عن صراط الحق لا يمكن أنْ تكون جملة واحدة وفجأة، ولكن باستدراج الناس من معصية إلى معصية تكبرها حتى يصلوا إلى درجة الكفر.
يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ:"... فإنَّ البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينسلخ صاحبها من الدين" [2] .
فالشيطان الذي يريد أنْ يضل رجلًا قوي الإيمان كثير الطاعات، لا يأتيه ويوسوس له بالكفر من البداية، ولكن قد يطلبه في درجة المباحات، حيث يوسوس له بأنه لا إثم ولا حرج على فاعلها، حتى يجعله يكثر منها وتنسيه الإكثار من الطاعات، ثم يتدرج به إلى ترك الواجبات ثم يتدرج به إلى الفسق والكفر.
يقول الإمام ابن القيم في العقبة الخامسة للشيطان، وهي عقبة المباحات، قال:"وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها، فيشغله بها عن الاستكثار من الطاعات وعن الاجتهاد في التزود لمعاده، ثم طمع فيه أنْ يستدرجه منها إلى ترك السنن، ثم من السنن إلى ترك الواجبات" [3] .
(1) أدب الدنيا والدين: للماوردي، طبعة دار الكتب العلمية، ص 55.
(2) مدارج السالكين: للإمام ابن القيم، طبعة دار الكتاب العربي، 1/224.
(3) المرجع السابق نفسه، 1/224.