ومن ذلك أيضًا قضية الجهاد، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في بداية الدعوة في مكة لم يكونوا مأمورين بالقتال بل كانوا مأمورين بالدفع بالتي هي أحسن والصفح والهجر، وهذا باتفاق العلماء يقول الإمام القرطبي:"ولا خلاف في أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة بقوله تعالى: [1] ، وقوله تعالى [2] ، وقوله تعالى [3] وقوله [4] وما كان مثله مما نزل بمكة ، فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال" [5] .
وذلك لأنَّ واقع المسلمين في ذلك الوقت لم يكن يمكنهم من الجهاد؛ فقد كانوا قلة في العدد، ولم يكن لهم من الرجال والعتاد والسلاح ما يواجهون به قوة الكفر في مكة يومئذٍ، ولكن عندما هاجر المسلمون إلى المدينة وأصبح لهم دار ودولة ومنعة وأنصار، فرض القتال لتغيُّر الحال الذي كانوا عليه في مكة، فمن ضعف انتقلوا إلى قوة، ومن قلة إلى كثرة وأنصار، فكان الواقع مناسبًا لأمر القتال، يقول ابن كثير:"كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات نصيب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليتشفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمروا بالجهاد إلا بالمدينة لما صار لهم دار ومنعة وأنصار" [6] .
فهم الواقع وإنكار المنكر:
(1) سورة المؤمنون، الآية (96) ، وسورة فصلت، الآية (34) .
(2) سورة المائدة، الآية (13) .
(3) سورة المزمل، الآية (10) .
(4) سورة الغاشية، الآية (22) .
(5) الجامع لأحكام القرآن: للإمام القرطبي، الطبعة الثانية، 2/347.
(6) تفسير القرآن العظيم: لابن كثير، طبعة عالم الكتب، بيروت، 1/525.