الصفحة 8 من 34

بل قد كان بعضهم يأمر تلاميذه بالخوض مع الناس في الحياة لمعرفة واقعهم، كالإمام أبى حنيفة - رضي الله عنه - فقد أوصى أحد تلاميذه وهو يوسف بن خالد السمني فقال له ـ وكان يوسف بن خالد ذاهبًا إلى البصرة ـ:"إذا دخلت البصرة استقبلك الناس وزاروك، وعرفوا حقك، فأنزل كل رجل منزلته، وأكرم أهل الشرف، وعظم أهل العلم، ووقر الشيوخ، ولاطف الأحداث وتقرب من العامة، ودار الفجار، واصحب الأخيار، ولا تتهاون بسلطان ولا تحقرنَّ أحدًا" [1] .

وقد وصى أبو حنيفة تلميذه بهذه الوصية حتى يجعله يجمع بين فهم الدين وفهم الواقع، وبهذا يكون فقهيًا حقًا.

وهكذا كان أبو حنيفة نفسه، كان ملمًا بواقع الناس وحالهم، فقد قيل عنه:"كان أبو حنيفة يناظر أصحابه في المقاييس فينتصفون منه ويعارضونه، حتى إذا قال استحسن لم يلحقه أحد منهم، لكثرة ما يورد في الاستحسان من مسائل فيذعنون جميعًا ويسلمون له" [2] .

وعلَّق الإمام أبو زهرة على ذلك بقوله:"وما ذاك إلاَّ لإدراكه لدقيق المسائل، وصلتها بالناس ومعاملاتهم وأغراضهم، فإن استحسن فإنما يأخذ مادته من دراسته لأحوالهم مع دراسات أصول الشرع الشريف ومصادره" [3] .

فحفظ الكتب وما تحويه من مسائل لا تؤهل المفتي ليكون فقهيًا كما يجب. ولكن الفقيه الحق هو الذي يربط بين حفظ الكتب وما فيها من فقه وبين واقع الناس وحالهم.

(1) تاريخ المذاهب الإسلامية: محمد أبو زهرة، طبعة دار الفكر العربي، ص 358.

(2) أبو حنيفة حياته وعمره وفقهه وآراؤه الفقهية: محمد أبو زهرة، طبعة دار الفكر العربي، ص 75.

(3) المصدر السابق، ص 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت