وعلى هذا المنهج السلفي لفهم المحكم والمتشابه يمكن تفسير آية آل عمران ، بأن الله يخبر أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب ، أي بينات واضحات الدلالة ، لا التباس فيها على أحد ، سواء من جهة المعنى أو الكيفية ، وهي أصل الدين وقوام العبودية ، وتتمثل في الأحكام الشرعية الدينية ، فلا بد من وضوحها وبيان معانيها ، ولا بد من وصف كيفيتها لسائر الناس ، دون اشتباه أو التباس ، فهن حجة الرب وعصمة العباد ، ودفع خصوم الباطل ، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه ، وفي هذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما: ( المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به ) (1) ، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي أنهم قالوا: المحكم الذي يعمل به (2) .
وأخر متشابهات كآيات الصفات من حيث اشتراك الألفاظ والكلمات عند تجردها عن الإضافة والتخصيص والتركيب لا من حيث المعنى المراد ، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ، ألا يصرفن إلى الباطل ، ولا يحرفن عن الحق ، ولهذا قال الله تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } ، أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ، { فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ِ } ، إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة ، وينزلوه عليها { ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه ِ } أي تحريفه على ما يريدون (3) .
(1) بن كثير: تفسير 1/347 ، وابن جرير:جامع البيان 3/172 ، والسيوطي:الدر المنثور 2/144.
(2) لبغوي: أبو محمد الحسين بن مسعود ، (1407هـ) ، معالم التنزيل ، بيروت ، دار المعرفة ، 1/279.
(3) بن كثير: تفسير 1/347.