الصفحة 43 من 55

يقول أبو سعيد النيسابوري (ت:478) : ( لأصحابنا في ذلك طريقان ، أحدها الإعراض عن التأويل والإيمان بها كما جاءت والإيمان بها صحيح وإن لم يعرف معناها ، وهذا الطريق أقرب إلى السلامة ، ومن أصحابنا من صار إلى التأويل ، والاختلاف صادر عن اختلاف القراءتين في قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ .. الآية } ، فمن صار إلى الوقف على قوله: وما يعلم تأويله إلا الله ، أعرض عن التأويل ، وجعل قوله والراسخون في العلم كلاما مبتدأ ، ومعناه أن العلماء يقولون آمنا به ، ومن صار إلى الوقف على قوله والراسخون في العلم ، فيكون معناه أن الله تعالى يعلم تأويله ، والراسخون في العلم أيضا يعلمون تأويله ، صار إلى التأويل ) (1) .

فعلى الرغم من كونه يذكر في كلامه موقف السلف من المحكم والمتشابه ، إلا أنه نسب إليهم الإيمان بنصوص الصفات وإن لم يعرفوا معناها ، وجعلهم بمنزلة الأعاجم والأميين .

ويقول مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي (ت:1033) : ( ومن المتشابه الاستواء في قوله تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } وهو مذكور في سبع آيات من القرآن ، فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه ، من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى والإيمان به ) (2) ، ثم يستدل على ذلك بقول الإمام مالك: الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة (3) .

المطلب الثاني : أمثلة معاصرة على اعتقاد الخلف أن مذهب السلف هو التفويض .

(1) لنيسابوري: أبو سعيد ، (1987م) ، الغنية في أصول الدين ، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر ، بيروت ، نشر مؤسسة الخدمات والأبحاث الثقافية ، ص 77.

(2) لمقدسي: مرعي بن يوسف الكرمي (1406هـ) أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات ، تحقيق شعيب الأرناؤوط بيروت مؤسسة الرسالة 1/120.

(3) لسابق 1/120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت