الصفحة 9 من 35

والواقع أنّ هذا الانزياح على مستوى الرؤية الإبداعيّة للفرد والعالم، والموقف الإيديولوجي منهما قد انعكس بدوره انزياحًا على مستوى التمثيل الفنيّ أيضًا، وهو ما نحاول مقاربته في دراستنا التشكيل الجمالي للقبيح السلطوي في نماذج مختارة بين قديمه القصصي وجديده أيضًا.

التشكيل الجمالي للقبيح السلطوي:

قلنا: إنّ ثمّة اختلافًا بين قديم زكريّا تامر القصصي وجديده، وإن كان لم يصل إلى درجة القطيعة المطلقة، نظرًا لاستمرار بعض الموضوعات والتقنيّات السابقة في نسيجه القصصي الجديد.

على أنّ نظرة نسبيّة إلى ذلك التطوّر توحي بغلبة الانزياح الجمالي أيضًا في معالجة تلك الموضوعات. إذ تخلّى القاصّ في مجموعاته الجديدة عن لغته الشعريّة الأثيرة التي وسمت أعماله القديمة، وكانت وراء تألّق لغة القصّ لديه. فجديده التقني لا يرقى فنيًّا إلى مستوى ما حقّقه في قصّه القديم، وإن كان- على المستوى الدلالي- قد صار أكثر استبصارًا بالواقع، وأعمق وعيًا بسيكولوجيا الإنسان المعاصر.

فمقابل التكثيف الشعري لتجربة الإنسان المسحوق، المغلوب على أمره أمام قوى القهر الاقتصادي والاجتماعي، والسياسي- في الأعمال الأولى- غلب الحوار في الأعمال الثانية إلى درجة كاد يتزيّد فيها على النصوص، برغم كون اختياره كتقنيّة أساسيّة في الأعمال الجديدة يتناسب والتحوّل القيمي الواضح للشخصيّات القصصيّة. إذ لم يعد هناك مسوّغ لاستبطان عالمها الداخلي، نظرًا لكون انفعالها أمام الواقع ينطلق من إعلانها صراحة المصالحة معه، وبالتالي فإنّ النظر إليها يكاد يتعادل مع النظر إلى السلطة نفسها، بمتابعة منطوقها السلطوي، وشكل ممارساتها غير السويّة. على اعتبار أنّ العلاقة معها هي علاقة مع الخارج، وليس مع الداخل، وهذا ما يشكّل حلقة الوصل الأكثر بروزًا بين قديمه التقني و جديده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت