الصفحة 8 من 13

وإني أوصيه أن يصرف الى هذا المهمّ همّته، وأن يحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، ويراقب سريرته وعلانيته، وقصده وهمّته، وأن يطالع أفعاله وأقواله، وإصداره وإيراده. أهي مقصورة على ما يقرّبه من الله تعالى ويوصّله الى سعادة الأبد؟ أم هي مصروفة الى ما يعمّر دنياه ويصلحها له إصلاحا منغّصا مشوبا بالكدورات مشحونا بالهموم والغموم، ثم يختمها بالشقاوة والعياذ بالله.

فليفتح عين بصيرته لتنظر نفس ما قدّمت لغد، وليعلم أنه لا مشفق ولا ناظر لنفسه سواه، وليتدبر ما هو بصدده.

فإن كان مشغولا بعمارة ضيعة فلينظر، كم من قرية أهلكها الله تعالى وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها بعد عمّالها.

وإن كان مقبلا على استخراج ماء وعمارة نهر، فليفكر، كم من بئر معطلة وقصر مشيد بعد عمارتها.

وإن كان مهتما بتأسيس بناء، فليتأمل، كم من قصور مشيّدة البنيان محكمة القواعد والأركان أظلمت بعد سكانها.

وإن كان معتنيا بعمارة الحدائق والبساتين فليعتبر: { كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (29) } الدخان. وليقرأ قوله: { أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) } الشعراء.

وإن كان مشغوفا ـ والعياذ بالله ـ بخدمة سلطان، فليذكر ما ورد في الخبر:"أنه ينادي مناد يوم القيامة: أين الظلمة وأعوانهم؟ فلا يبقى أحد ممن مدّ لهم دواة أو برى لهم قلما فما فوق ذلك إلا أحضروا، فيجمعون في تابوت من نار فيلقون في جهنم".* ذكره ابن حجر الهيتمي رحمه الله في كتابه"الزواجر عن اقتراف الكبائر" [2\ 124] .*

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت