من الخطأ افتراض أننا نعيش أوضاعًا ليس لها مثيل من قبل، ونخطئ ثانية حين نقترح البدائل من أنصاف الحلول والمواجهة، مقرين أنه يحب أن تختلف الطرق والأساليب، عما كان عليه الأمر في عهد السلف الصالح. وهذه النظرية ليس لها حظ من الصواب بل هي خطأ صراح، فلدينا سيرة نبوية عطرة أصل لحضارتنا وثقافتنا التي عايشت كل الظروف، مواكبة الحلو والمر منها، متجلية في فترة الضعف والتمكين، والكثرة والقلة، ومع الموافق والمخالف، وعايشت اليهود والمنافقين بالمدينة المنورة، والوثنيين بمكة المكرمة وجزيرة العرب، والنصارى في نجران وبلاد الشام، وضعفاء النفوس من المسلمين، كما عايشت الاختلاف في وجهات النظر منذ العهد النبوي الشريف ثم عصور بني أمية وبني العباس والدولة التركية حتى أسقطها كمال أتاتورك بخيانة عام 1924م.
والعبرة في مدارسة هدى السلف في الاتفاق، بشواهد وقواعد الثقافة الإسلامية العامة التي انطلق منها سلف الأمة مطبقين عليها مجمعين حولها، وليست بالاجتهاد الفردي غير الملزم، وإنما الملزم للناس هو الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع الثابت، وليس المدعى.
وليس ثمة حجر وابتداع أن يقع الاختلاف في النظر بين العلماء المجتهدين، مع رعاية أصول الاختلاف وأصول المناظرة والتنازع، فلا تأنيب ولا تدابر؛ وإنما خلاف يعقبه اتفاق، في أدب يكسو المعرفة جلاء ويزينها وضوحًا، يُبينُ عن طيب معدن المختلفين ويبرز مقاصدهم الحسنة، وحرصهم على الهداية، وبعدهم عن الهوى وحظوظ النفس،"قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب" [1] .
(1) ينسب هذا القول لحكيم الفقهاء وتاجهم الإمام الشافعي رضي الله عنه.