فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 3625

القلب، فيتروح به ويتغذى به.

وجعله سبحانه مستقيمًا لئلا يمسك الرائحة، مصبًا تنحدر إليه فضلات الدماغ، فتجتمع فيه ثم تخرج منه، وجعل أعلاه أدق من أسفله، لأن أسفله تجتمع فيه الفضلات فكان واسعًا لتخرج منه بسهولة، ولأنه يأخذ من الهواء ملأه ثم يصعد في مجراه قليلًا قليلًا، حتى يصل إلى القلب بهدوء.

ثم فصل بين المنخرين بحاجز بينهما حكمةً منه ورحمة، لأنه مجرى النفس، ومنحدر فضلات الرأس، فيكون أحدهما غالبًا للنفس، والآخر لخروج الفضلات، وإما أن تجري الفضلات فيهما فينقسم، فلا يفسد الأنف جملة، بل يبقى فيه مدخل للنفس، وربما أصيب أحدهما فيبقى الثاني يؤدي وظيفته.

فاقتضت الحكمة تعددهما كالأذنين والعينين: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) } [المؤمنون: 14] .

وشق سبحانه للعبد الفم في أحسن موضع وأليقه به، وأودع فيه من المنافع وآلات الذوق والقطع والطحن والكلام ما يبهر العقول عجائبه.

فأودعه اللسان الذي هو أحد آياته الدالة عليه، وجعله ترجمانًا لملك الأعضاء وهو القلب، مبينًا مؤديًا عنه، كما جعل الأذن رسولًا مؤديًا إليه العلوم والأخبار، والعين رسولًا مؤديًا إليه المرئيات والمبصرات، واللسان بريده ورسوله الذي يؤدي عنه ما يريد.

وانظر إلى حكمة العزيز العليم الذي جعل اللسان مصونًا محفوظًا مستورًا غير مكشوف كالأذن والأنف، لأن هذه الأعضاء لما كانت تؤدي من الخارج إليه، جعلت بارزة ظاهرة.

ولما كان اللسان مؤديًا من القلب إلى الخارج جعله مستورًا لعدم الفائدة في إبرازه.

وأيضًا لما كان اللسان أشرف الأعضاء بعد القلب، ومنزلته منه منزلة ترجمانه ووزيره، ضرب عليه سرادقان لستره وصيانته، أحدهما الأسنان، والآخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت