فهرس الكتاب

الصفحة 770 من 3625

فالجزاء من جنس العمل، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك، يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاءً وفاقًا.

فانتقم بعد ذلك أو أعف، وأحسن أو اترك، فكما تدين تدان.

ومن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه، هذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) } [النحل: 128] .

هذا مع ما يتعجله المحسن من ثناء الناس عليه، وكونهم معه على خصمه، فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرًا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه مالًا ولا طعامًا.

ولا بد للمحسن إلى عدوه وحاسده من إحدى حالتين:

الأولى: إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذل له ويبقى من أحب الناس إليه.

الثانية: وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره إن أقام على إساءته له، فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه.

والإحسان إلى الناس ومواساتهم بالمال له ثلاث مراتب:

الأولى: أن تنزل أخاك المسلم منزلة عبدك فتقوم بحاجته من مالك، وتعطيه ابتداء، ولا تحوجه إلى السؤال.

الثانية: أن تنزله منزلة نفسك، وترضى بمشاركته إياك في مالك.

الثالثة: وهي أعلاها أن تؤثره على نفسك، وتقدم حاجته على حاجتك، وهذه مرتبة الصديقين، ومنتهى درجات المتحابين.

فإن لم تصادف نفسك في مرتبة من هذه الرتب مع أخيك، فاعلم أن عقد الأخوة لم ينعقد بعد في الباطن، وإنما الجاري بينكما مخالطة رسمية لا وقع لها في العقل والدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت