وهنا نأخذ درسًا عظيمًا، وهو ليس بالضَّرورة أنْ يبلغ الإنسان في أوّل وهلة وأوّل لحظة تمام الإيمان، العباس أراد لأبي سفيان أنْ ينطق بالشَّهادتين، حينما ينطق بالشَّهادتين حتَّى يغلب نفسه على الجزء الآخر، ولكن حينما ينطق فإنَّه بذلك يتهيّأ لأنْ يجلس مع المسلمين، وإنَّه بذلك يسمع من المسلمين، ويُعدَّ منهم ويكتمل الإيمان بعد ذلك ويزداد. وهذا ما قد كان؛ بل قد تحقَّق الإيمان في قلبه، وقبل أنْ يرجع الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - أمر العباس ـ بعد أنْ نطق أبو سفيان بالشَّهادتين ـ أنْ يجعله عند المضيق في الوادي وأنْ تمر عليه الكتائب كُلّها.
فوقف أبو سفيان والعباس بجواره، ويمرّ المسلمون فصيلة فصيلة، وكتيبة كتيبة، وقبيلة قبيلة، وبلدة بلدة، ويسأل أبو سفيان: مَنْ هؤلاء؟ ويجيبه العباس، حتَّى أتى قومًا في قوّة شديدة، وفي بأس شديد لا يُرى منهم إلاَّ الحدق والحديد، سأل أبو سفيان: مَنْ هؤلاء يا عباس؟ قال: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار، استغرب الرَّجل وتعجّب، فقال: لقد أضحى ملك ابن أخيك عظيمًا، قال العباس: يا أبا سفيان إنَّه ليس الملك، إنَّها النُّبوة، إنَّها النُّبوة، فصدَّق أبو سفيان بهذه النُّبوة، وامتلأ قبله إيمانًا وتصديقًا [1] .
ونأخذ هنا درسًا آخر وهو أنَّ القلوب بين يدي الرَّحمن يقلّبها كيف يشاء، لا نيأس من عاصٍ، ولا نيأس من كافر، وتبلّغ الدَّعوة للجميع، لا نيأس من نصر، وننتظره من الله تعالى في أيّة لحظة: [يس: 82] .
(1) الرَّوض الأنف، 4/157.