الصفحة 11 من 17

أبو سفيان الذي ذهب وخرج مع قريش ليعرف خبر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ليُعدّ العدة والرِّجال، فإذا به يأتي قافلًا وراجعًا مؤذنًا في النَّاس: إنَّ مُحَمَّدًا أتاكم بما لا قِبَل لكم به، أتت زوجه هند بنت عتبة وهو يُحدّث النَّاس عن القوّة وعن ما رآه قالت: اقتلوا هذا الكميت الفسل [1] ، أي هذا السَّمين الجبان، قال: لا تغرَّنكم هذه، والله أتاكم بما لا قِبَل لكم به، ثُمَّ أذَّن فيهم: مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله، ما تُغني عنا دارك، قال: ومَنْ دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومَنْ دخل داره فهو آمن [2] .

فانطلقوا إلى دورهم، وإلى دار أبي سفيان، وإلى المسجد الحرام.

من هذا الموقف نأخذ درسًا وهو: أنَّه بالتَّضحية وبالإيمان وبالصَّبر وبالثَّبات يتبدّل الضَّعف إلى قوّة، وتتبدّل القلّة إلى كثرة، ويتبدّل الذُّل إلى عزّ، انظر إلى الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته كيف كانوا في البداية، وكيف هاجروا من مكة، وكيف أُخرجوا، وكيف قُتلوا، وكيف عُذبوا، وانظر كيف يكونون حين خرجوا، وانظر إليهم كيف أتوا إلى مكة فاتحين عزيزين مكرمين، فبالصَّبر وبالتَّضحية وبالإخلاص وبالإيمان وبالثَّبات، أيضًا حازوا النَّصر والتَّمكين [3] .

من الدُّروس التي نأخذها هنا براءة نفوس المسلمين وصفاؤها، لا يتعاملون بالحقد وبالحسد وبالانحطاط، أبو سفيان ـ الذي كان أحد قادة قريش والذي فعل بالمسلمين الأفاعيل ـ أوّل ما ينطق بالشَّهادتين يُقرِّر الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - إكرامه وتشريفه، فيجعل داره صنوًا في مسألة الأمن مع البيت الحرام: (مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن) .

(1) زاد المعاد، 3/404.

(2) السِّيرة النَّبويّة، لابن هشام، 5/60.

(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، طبعة دار الفكر، بيروت، 1401 هـ، 3/202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت